ابن النفيس
40
شرح فصول أبقراط
بالفتيا فلم يجبه أحد منهم بشيء سوى الشيخ محمد المرجاني ، فإنه قال أنا أفتيت بمنع الصلاة فيها ، وأقول الآن : إنه يكره الدخول من بابها . ونهض قائما ، فانفض الناس . واتفق أيضا أن الشجاعي ما زال بالشيخ محمد المرجاني يلح في سؤاله أن يعمل ميعاد وعظ بالمدرسة المنصورية حتى أجاب بعد تمنع شديد ، فحضر الشجاعي والقضاة ، وأخذ المرجاني في ذكر ولاة الأمور من الملوك والأمراء والقضاة وذمّ من يأخذ الأراضي غصبا ويستحث العمال في عمائره وينقص من أجورهم ، وختم بقوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا . وقام فسأله الشجاعي الدعاء له ، فقال : يا علم الدين قد دعا لك ودعا عليك من هو خير مني . وذكر قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ، ومن شق عليهم فاشقق عليه » . وانصرف فصار الشجاعي من ذلك في قلق وطلب الشيخ تقي الدين محمد بن دقيق العيد ، وكان له فيه اعتقاد حسن ، وفاوضه في حديث الناس في منع الصلاة في المدرسة ، وذكر له أن السلطان إنما أراد محاكاة نور الدين الشهيد والاقتداء به لرغبته في عمل الخير فوقع الناس في القدح فيه ولم يقدحوا في نور الدين . فقال له : إن نور الدين أسر بعض ملوك الفرنج ، وقصد قتله ، ففدى نفسه بتسليم خمسة قلاع وخمسمائة ألف دينار حتى أطلقه ، فمات في طريقه قبل وصوله مملكته ، وعمر نور الدين بذلك المال مارستانه بدمشق من غير مستحث ؛ فمن أين يا علم الدين تجد مالا مثل هذا المال وسلطانا مثل نور الدين ، غير أن السلطان له نيته وأرجو له الخير بعمارة هذا الموضع ، وأنت إن كان وقوفك في عمله بنية نفع الناس فلك الأجر ، وإن كان لأجل أن يعلم أستاذك علوّ همتك فما حصلت على شيء . فقال الشجاعي : اللّه المطلع على النيات . وقرر ابن دقيق العيد في تدريس القبة » . هذا ما ذكره المقريزي في « الخطط » ، تفصيلا حول البيمارستان المنصوري ، ولا نكاد نعثر على مثل هذا الوصف الوافي ، الذي تستوقفنا فيه نقاط كثيرة ، منها تلك ( الخاتون ) التي تخلّف وراءها سبعة آلاف جارية ! والمملوك الذي يسعى لاسترضاء الفقهاء ، فيهان من بعضهم . . وغير ذلك مما يضيق المقام هنا عن ذكره ، فلنرجع إلى ما كنا بصدده .